محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

22

الآداب الشرعية والمنح المرعية

وفي تفسير ابن الجوزي في قوله تعالى : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [ سورة الأنبياء : الآية 63 ] المعاريض لا تذم خصوصا إذا احتيج إليها ثم ذكر خبر عمران بن حصين ولم يعزه قال : وقال عمر بن الخطاب : ما يسرني أن لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي . وقال النخعي : لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شيء يدرءون به عن أنفسهم . قال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف وذكر ابن الجوزي كلاما كثيرا . فتبين أن قول الإمام أحمد لا يجوز مع اليمين من غير يمين يجوز ، وعنه لا ، وعنه الفرق بين الابتداء وغيره ، وقد يقيدون به الجواز الأولى بالمصلحة لا مطلقا وعليه تحمل الآثار . وأما الأصحاب فتجوز عندهم المعاريض ، وقيل : تكره ، وقيل : تحرم ، ولم أجد أحدا منهم صرح بالفرق بين اليمين وغيرها . وقد قال أحمد : التدليس عيب وقال : أكرهه ، وقال : لا يعجبني وعلله بأنه يتزين للناس ، فظاهر هذا أنه لا يحرم وكذا اقتصر القاضي وأصحابه وأكثر العلماء على كراهته يؤيده قوله في رواية مهنا . وقيل له : كان شعبة يقول : التدليس كذب فقال : لا قد دلس قوم ونحن نروي عنهم . ولو كره التعريض مطلقا أو حرم أو كان كذبا لعلل به لاطراده وعموم فائدته ، بل علل بالتزين وغالب صور التعريض أو كثير منها في غير رواية الحديث لا تزين فيها ولا يتعلق به ذلك كالموضع الذي استعملها الشارع وغير ذلك ولهذا اقتصر أبو الخطاب وغيره على هذا التعليل . وقال القاضي : ولأنه يفعل ذلك كراهة الوضع في الحديث لرواية ومن كره التواضع في الحديث فقد أساء وهذا معنى قول أحمد : يتزين انتهى كلامه ، فتدبر هذا فإنه أمر يختص بالرواية لكن لا يعارض هذا نصه في الفرق بين اليمين وغيرها . قال الشيخ تقي الدين : كل كراهته هنا للتحريم يخرج على قولين في المعاريض إذا لم يكن ظالما ولا مظلوما والأشبه التحريم فإن التدليس في الرواية والحديث أعظم منه في البيع كذا قال . قال القاضي وغيره : وذهب قوم من أصحاب الحديث إلى أنه لا يقبل خبره وهذا غلط لأنه ما كذب بل صدق إلا أنه أوهم ومن أوهم في خبره لم يرد خبره كمن قيل له : حججت ؟ فقال : لا مرة ولا مرتين يوهم أنه حج أكثر وحقيقته أنه ما حج أصلا ، فلا يكون كذبا انتهى كلامه وهو موافق لما سبق . وقال الشيخ تقي الدين : ليس بصادق في الحقيقة العرفية فيقال : قد يمنع ذلك وعدم فهم بعض الناس ليس بحجة فقد يفطن للتعريض بعض الناس دون بعض ولهذا لا يعد في العرف كذبا ولأنه صادق لغة والأصل بقاء ما كان ولأن الاعتبار باستعمال الشارع وحقيقته واللّه أعلم . وعن الأعمش قال : حدثت عن أبي أمامة مرفوعا : " يطبع المؤمن على الخصال كلها إلا